أطلق المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مشروع بناء معجم تاريخيّ للغة العربيّة في الخامس والعشرين من شهر أيار/ مايو 2013، بعد عام ونصف من المناقشات التفصيليّة بين نخبة من العلماء في ندوات الخبراء. ومنذ ذلك الحين، والعملُ مُستمر في عدة مجالات ومستويات، تأسيسا للقواعد وبناءً للهياكل وتطويرا للمهارات وتجويدًا للمنهج والمُخرجات ومُعالجة للإشكالات العلمية والتحدّيات، بتعاون وثيق بين المجلس العلمي والهيئة التنفيذية للمعجم. وقد تكلّلت تلك الجهود بإنجاز معجم تاريخي للغة العربيّة يتضمّن زهاء 300 ألف مدخل معجميّ، ومدوّنة نصيّة تتألّف من نحو مليار كلمة، مُهيكلة ومُؤرّخة ومُوثّقة.
ينفرد هذا المعجم برصد ألفاظ اللغة العربيّة منذ بدايات استعمالها في النقوش والنصوص، وما طرأ عليها من تغيّرات في مبانيها ومعانيها داخل سياقاتها النصيّة، متتبّعا الخط الزمني لهذا التطور. وتعرض هذه البوّابة الإلكترونيّة موادّ المعجم، وتٌتيح البحث في المدوّنة النصيّة، كما تُقدّم عدة أنواع من الخدمات اللغوية والنصية والإحصائية.
شارك في بناء المعجم أزيد من خمس مئة من أساتذة الجامعات والخبراء والعلماء في عدد من الدول العربيّة، من الأردن والإمارات وتونس والجزائر والسعودية وسوريا والعراق وفلسطين وقطر والكويت ولبنان وليبيا ومصر والمغرب وموريتانيا واليمن والسودان وعُمان. واستفاد أعضاء الفرق المعجميّة من دورات تدريبيّة وورش عمل. وتمكّن خبراء المعجم بفضل ذلك من توحيد منهجيّة العمل وفقًا لضوابط الدليل المعياريّ للتحرير المعجميّ الذي وضعته الهيئة التنفيذيّة، والقائم أساسًا على القرارات العلميّة التي اتخذها المجلس العلميّ، بعد مناقشات تفصيليّة ودراسات معمّقة.
ومما ينبغي تأكيده، أنه لا يمكن لمعجم تاريخيّ للغة العربيّة أن يدّعي الشمول في استقراء ألفاظ اللغة ومعانيها أو الكمال في بناء مداخلها المعجميّة، وما ينبغي له ذلك، أيًّا ما كان المجهود المبذول في إنجازه لأسباب موضوعيّة يصعب تجاوزها، منها:
(أ) ضخامة نصوص العربيّة بصورة يصعب الادّعاء بجمعها كلّها واستقراء ألفاظها، ذلك بأن كثيرا منها لا يزال مخطوطًا غير مطبوع ولا مُحقّق، وغير قليل من المطبوع المحقّق يحتاج إلى تحقيق؛
(ب) التنازع في نسبة النصّ الواحد إلى أكثر من مؤلّف واحد، ووجود النصّ الواحد بروايات مختلفة؛
(ج) التضارب في تحديد تاريخ تأليف النصّ الواحد، وفي تاريخ وفاة المؤلف أو القائل.
إن بناء مدخل معجميّ للفظ واحد من الألفاظ يحتاج إلى التأكّد من صحة اللفظ في سياقه ونصه، والتأكد من صحة نسبة النص إلى مؤلفه أو قائله، والتأكّد من تاريخه. وغالباً ما يستلزم ذلك ترجيح رواية على رواية، أو قول على قول، أو تحقيق على تحقيق. ثم يأتي بعد كل ذلك استخلاص معنى اللفظ داخل سياقه ونصه وصياغة تعريف له وفق ضوابط التعريف المتّفق عليها.
وبناءً على ما تقدّم، فإن جميع العلماء والباحثين المهتمّين مدعوّون للمشاركة في عمليات التحديث والإغناء لهذا المعجم، ومُرحّب بتفاعلهم البنّاء مع مادّته المنشورة، تعديلا وإغناءً واقتراحًا؛ ذلك بأن من خصائص هذا المعجم أنه معجم مفتوح، وقابل للتحديث المستمرّ.
ولكي يكون التفاعل مثمرًا وذا فائدة، ينبغي الاطّلاع على الوثائق المنشورة في هذه البوّابة بدءًا من المقدّمة والقرارات العلميّة إلى الدليل المعياريّ للتحرير المعجميّ، وذلك لمعرفة الضوابط العلميّة والمنهجيّة المعتمدة في بنائه. وبإمكان كل باحث أن يُعلّق على أي عنصر من عناصر المدخل المعجميّ: عن اللفظ، والوسم، والتاريخ، والتعريف، والشاهد، واسم المستعمل، والمصدر، وبإمكانه أيضًا أن يُعلّق على المادّة المعجمية المنشورة كلها.
وقد حظي مشروع المعجم برعاية وتمويل سخيّ من صاحب السموّ أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وبرعاية المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة. ومن الوفاء أن يحمل هذا المشروع اسم: معجم الدوحة التاريخيّ للغة العربيّة.